" إننا مسرورون لإعلان نهاية نهاية الحجر وبزوغ عهد الحرية والاستقلال " بهذهالعبارة التي شكلت إيذانا بانطلاق مرحلة جديدة في تاريخ المغرب الحديث أعلن جلالةالمغفور له محمد الخامس في خطابه إلى الأمة يوم18 نونبر 1955 عن تخلص المغرب منربقة الاستعمار بعد صراع مرير خاضه العرش والشعب بتلاحم بطولي ودخوله مرحلة جديدةشعارها البناء والتشييد.ويرى كثير من المؤرخين والمهتمين بتاريخ افريقيا على الخصوص , أناستقلال المغرب الذي نخلد هذه السنة ذكراه الخمسين يعتبر , بالإضافة إلى كونه أحدالمنعطفات الحاسمة في تاريخ المملكة الحديث باعتبار أنه أرخ لنهاية نظام الاستعماروالحماية الفرنسية المفروضة على المملكة منذ سنة1912 وبداية استكمال الوحدةالترابية للمملكة وانطلاق مسيرة بناء الدولة القوية الحديثة , أحد المحطات الأساسيةفي انتشار المد التحرري في افريقيا.إن التاريخ سجل بمداد الفخر والإعتزاز التضحيات الجسام التي قدمهاالعرش بقيادة بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس بتلاحم مع الشعب حيث وقفاوقفة رجل واحد من أجل رفع التحدي في وجه الاستعمار الأجنبي والعمل من أجل الانعتاقوالاستقلال.فرغم المخططات الجهنمية التي لم يتردد الاستعمار في تنفيذها من خلالالظهير البربري (ماي1930 ) بهدف تمزيق البلاد والتفريق بين أبناء الشعب الواحدانطلاقا من سياسة " فرق تسد", فإن الإقدام على نفي رمز التضحية جلالة المغفور لهمحمد الخامس والأسرة الملكية يوم20 غشت1953 إلى كورسيكا ثم إلى جزيرة مدغشقر اعتبرهالمراقبون السياسيون آنذاك " قمة يأس المستعمر في إمكانية تفكيك التلاحم " بينالقيادة التي يجسدها أب الأمة محمد الخامس والقاعدة التي كانت تمثلها آنذاك الحركةالوطنية.وهكذا كانت " جريمة نفي رمز البلاد " بمثابة الشرارة التي أججتالكفاح البطولي للعرش والشعب من خلال الإيمان الراسخ بعدالة قضيته وتضحيته من أجلالاستقلال الذي جاء تتويجا لهذا التلاحم بين بطل التحرير وجميع مكونات الشعب بعزيمةصلبة جعلت الاستعمار يرضخ في نهاية المطاف ويعترف بالحقوق المشروعة للشعب المغربيوفي مقدمتها عودة محمد الخامس والأسرة الملكية من المنفى .ففي الوقت الذي كانت فيه العمليات الفدائية لأفراد المقاومة وجيشالتحرير على أشدها والمعارك السياسية التي خاضتها الحركة الوطنية محليا وإقليمياودوليا متواصلة من خلال تعبئة الشعب المغربي داخليا والتعريف بالقضية المغربية فيالمحافل الإقليمية والدولية, كان جلالة المغفور له محمد الخامس والأسرة الملكيةيقدمون أروع مثال في التضحية والإخلاص لقضية الوطن والشعب برفض جلالته الاستسلاملمساومات المستعمر ودساسئه.وعلى غرار المغاربة الذين كانوا في المنطقة الخاضعة للاستعمارالفرنسي لم يتوان إخوانهم في شمال وجنوب المملكة الرازخين تحت نير الاستعمارالإسباني في تلبية نداء الوطن والتشبث برمز الوحدة جلالة المغفور له محمد الخامس , وفاء منهم لروابط البيعة التي جمعت أجدادهم بالعرش العلوي على مر العصوروانطلاقا من ذلك ,فلا غرو أن تكون التجربة المغربية في مقاومةالاستعمار قد شكلت نموذجا استلهمت منه العديد من حركات التحرير في البلدانالمستعمرة آنذاك خاصة في افريقيا وآسيا في كفاحها من أجل التحرر والانعثاق.وبعد تحقق المطلب الشرعي في الاستقلال واصل المغرب بقيادة جلالةالمغفور له محمد الخامس نضاله من أجل البناء والتشييد وتحقيق التنمية الاقتصاديةوالاجتماعية للبلاد انطلاقا من مقولة جلالته الشهيرة " لقد خرجنا من الجهاد الأصغرإلى الجهاد الأكبر" .وهكذا شرع جلالته في وضع اللبنات الأساسية لصرح النظام الدستوريللمغرب المستقل حيث قام بتشكيل المجلس الوطني الاستشاري وإصدار ظهير الحريات العامة .ولم يكن التاريخ رحيما بالملك الراحل المغفور له الحسن الثاني بحيثأن اعتلاءه العرش في وقت قصير بعد الاستقلال جعله مكلفا بمهمة " الجهاد الأكبر" المتمثل أساسا في مواصلة معركة استكمال الوحدة الترابية للمملكة وبناء مؤسساتالدولة الفتية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.وهكذا شكل حرص المغفور الحسن الثاني على وضع الأسس السياسية من خلالوضع دستور للبلاد سنة1962 قراءة سياسية حكيمة اعتبرت سبقا على مستوى العالم العربيوالافريقي وجعلت المغرب يتمتع بنظام ملكي دستوري وتعددية سياسية نأت به عن الأنظمةالشمولية التي سادت جزءا كبيرا من الدول النامية آنذاك .وبعد عمله الدؤوب من أجل استكمال الوحدة الترابية للمملكة التي توجتفي عهده باسترجاع سيدي افني سنة1969 والأقاليم الجنوبية في سادس نونبر1975 بفضلالمسيرة الخضراء السلمية واسترجاع إقليم وادي الذهب سنة1979 واصل المغفور له الحسنالثاني عملية البناء السياسي التي كللت قبل وفاته بإرساء مبدأ التناوب الذي سجلسابقة في العالم العربي بتعيين أحد رموز المعارضة في منصب الوزير الأول .وإذا كانت المسيرة الخضراء قد دشنت لعهد جديد في الأقاليم الجنوبيةللمملكة التي تعرف منذ ذلك الوقت نهضة كبرى وتنمية في جميع المجالات فإن المغفور لهالحسن الثاني وضع ركائز مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بانتهاج سياسة انفتاحاقتصادي وتدعيم البنيات الاقتصادية خصوصا من خلال إشرافه الشخصي على سياسة السدودالتي تظل مفخرة للمغرب وشاهد إثباث لدى الأجيال الحالية والمقبلة على بعد نظر وتبصرالملك الراحل .وتميزت هذه المسيرة أيضا بفتح أوراش كبرى خصوصا بناء الطرق السيارةوالعمل على توفير السكن اللائق والتعليم والتشغيل وتحفيز الاستثمار وتقوية التماسكالاجتماعي.ولم تمنع هذه التحديات الداخلية الضخمة المغفور له الحسن الثاني منأن يبوىء المملكة مكانة مرموقة بين الأمم من خلال ما قام به شخصيا من مبادراتومساعي دولية بافريقيا والشرق الأوسط على الخصوص حيث احتضن المغرب عدة مؤتمراتعربية وإسلامية شكلت منعطفات حاسمة في تاريخ هذه الأمة .وبعد مرور خمسين سنة على الاستقلال يعيش المغرب حاليا في عهد جلالةالملك محمد السادس على إيقاع مواصلة تلك الإنجازات التنموية التي تساهم في بناءالدولة الحق والقانون, دولة حديثة عصرية تدخل الألفية الجديدة مسلحة بآليات قانونيةواقتصادية وسياسية تمكنها من مواجهة التحديات الداخلية والخارجية في خضم التحولاتالتي يشهدها العالم بفضل العولمة