أضف إلى ذلك أن المرحلة المكية، كان لا بد منها، لصقل إيمان أتباعها، ليكونوا نواة المستقبل للدولة الإسلامية، وكانت توجيهات القرآن، وتوجيهات الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه- للنواة الأولى من أتباع الدعوة، تقوم على أساس الثقة في الله ـ عز وجل ـ والنصيحة في مواجهة ما يلحقهم من أذى بالغ من الضراوة والشراسة، ولعلنا نلمس ذلك من موقف لا نكاد نذكره. حيث كان رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يمر على آل ياسر وهم يُعذّبون، فيقول لهم: "صبراً آل ياسر.. فإن موعدكم الجنة"، واستجابوا، وكانت أم عمار أول شهيدة في الإسلام. وفي صحيح البخاري عن خباب بن الأرت ـ رضي الله عنه ـ قال: "شكونا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ـ فقلنا: "ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟." فقال: "قد كان مَن قبلكم يُؤخذ الرجل، فيحفرون له في الأرض، فيُجعل فيها.. ثم يُؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه.. والله ليُتمنّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"!
إن إرادة الله ـ عز وجل ـ اقتضت أن يكون الإسلام ديناً، يصحح مسار العقول التي حادت عن الطريق السويّ، ويصحح مسار الحياة البشرية التي شملتها الفوضى، بعد أن تحوّلت إلى غابة شاسعة، يفترس القوي فيها الضعيف، وأن يكون الإسلام دولة، تقيم العدل بعد أن اختلت موازينه، وتؤازر الحق، بعد أن أصبح مضغة في أفواه الباطل، فالعالم يومئذ تحكمه إمبراطوريتان، إحداهما صليبية تنكبت مبادئ المسيحية، والأخرى وثنية تمتهن العقل، أعني إمبراطوريتي: فارس والروم، وبذلك يكون الإسلام بدولته ضرورة لإنقاذ البشرية من الوحل، وكانت الهجرة البشرية هي البداية لإقامة دولته.
يرى الشيخ محمود شلتوت ـ شيخ الأزهر الأسبق ـ في دراسته:"الإسلام والوجود الدولي للمسلمين" العدد الثالث من "سلسلة الثقافة الإسلامية" التي كنت أصدرتها (1958 ـ 1965 )! أن حادثة الهجرة، كانت نقطة تحوّل في تاريخ البناء الإسلامي، لتقوم فوق الأرض الجديدة ـ يثرب ـ دولة ذات منهج ونظام وهدف، والهجرة من الأحداث الفذة التي كانت تمهيداً لتثبيت البناء الإسلامي، وميلاد دولة داخل إطار من القوة، وبذلك أصبحت (الهجرة) من الأحداث الإسلامية الكبرى التي يجب أن تحمل العظمة في نفس كل مسلم.
| < Préc |
|---|




