الفن على صورة الخلق ، وهو رمز تماما مثل العالم الأرضي الذي يرمز للكون . فاستخراج العناصر المكونة لشكل ما، وترتيبها في مجموعات صغرى، وتفكيك ذلك النظام وإعادة بناء وحدة كلية من جميع الزوايا في آن واحد، والاشتراك النغمي التشكيلي والحصول على السكون من خلال التوازن في الحركة، كل هذه المسائل على غاية من الأهمية، وبها يتعلق علم الأشكال ، ولكنها لا تمثل ، في هذا الطور، فنا في أتم معانيه . وفي أرقى معانيه يستمر اللغز الأخير للفن ويتجاوز معارفنا الأكثر تفصيلا، وفي هذا المستوى تتبدد أنوار العقل على نحو تعيس .صحيح أنه بإمكاننا أن نتحدث بكيفية عقلية عن تأثيرات الفن ومحاسنه ، وأن نقول إن الخيال بفعل إلحاح الغرائز يصور لنا حالات وهمية تبعث الحماس في النفس وتدعمها أكثر مما تفعله الأفكار المبتذلة المألوفة التي تنتمي إلى هذا العالم أو تلك الخارقة للطبيعة، وأن نقول أيضا إن الرموز تطمئن الفكر بأن تبين له أنه لا توجد فقط الإمكانيات المتوفرة في هذا العالم بما فيها من كثافة محتملة وأن نقول أخيرا إن الجدية التي تستلزمها الأخلاق تتماشى وتهكم الملائكة من الفقهاء والعلماء الصالحين .ذلك أن الواقع الثابت لا يفي بالحاجة، في نهاية المطاف ، رغم ما فيه من كثافة. ثم إننا لا نرضى بأي واقع معطى حتى وإن كان واقعا رفيعا. ولنترك جانبا عالم الحياة اليومية وكذلك علوم السحر والتنجيم التي لا دخل لها هنا. فالفن يخترق الأشياء وينفذ إلى ما وراء الواقع وإلى ما وراء الخيال كذلك . قد يتصرف الفن في الحقائق النهائية دون علم بذلك . بل إنه يؤثر فيها فعلا، فكما يحاكينا الطفل أثناء لعبه نحاكي كذلك نحن في لعبة الفن القوى التي كانت أنشأت العالم وتنشئه .انهض أيها الإنسان . وتمتع بهذه الفسحة، غير مجرى حياتك و أفقك ، اجتهد في عالم توجه فيه كل القوى من أجل العود الحتمي إلى رتابة الواقع اليومي و كآبته ، بل أحسن من ذلك ، أزح عنك ثوب الحداد واعتقد لساعة أنك إله، وتنعم بلا فتور وأنت تفكر في ما يمكن أن تجده الروح في العطلة المقبلة من غذاء تتغذى به أعصابها الخاوية ومن نسغ طري تملأ به شرايينها الخائرة. بول كلي
" نظرية الفن الحديث " الأطروحة: انّ الفنّ فسحة للخلق. الأطروحة المستبعدة: انّ الفنّ محاكاة للطّبيعة. الإشكالية: ما الذّي يفسّر حقّا العمل الفنّي ؟ ما الشّيء الذّي به يكون الفنّ فنّا ؟ تفكيك عناصر التّحليل: 1. 1. تعريف الفنّ بالاستبعاد. 2. 2. تعريف الفنّ بالإثبات. التّحليل: 1. 1. تعريف الفنّ بالاستبعاد: q q ليس جملة من التّقنيات الأكاديميّة: يعرض الكاتب، في بداية النّص، الوسائط التّقنيّة التّي تمكّن من إنجاز عمل فنّي ما. فالرسّام يتعامل في لوحته مع أشكال، خطوط، ألوان، إضاءة، زوايا الخ... فإنشاء اللّوحة يتطلّب من الفنّان أن يقوم باستخراج العناصر المكوّنة لشكل ما ( النّقاط، الخطوط، الدّوائر، الألوان الخ..)، ثمّ يقوم بتفكيكها و إعادة بناءها من جديد في إطار وحدة نظرته للموضوع ( من جميع الزّوايا في آن واحد ). يمكن أن نستدلّ على ذلك بما يقوم به بيكاسّو في لوحاته التّي تنتمي إلى ما يسمّى بالاتّجاه التّكعيبي Le cubisme . مثال: رأس امرأة ( Tête de femme ). فهذا الأخير لا ينقل موضوع رسمه كما هو إلى اللّوحة، بل يقوم بعرضه من جميع الزّوايا في نفس الوقت. و هذا ما يؤدّي إلى إنشاء أشكال مكعّبة و مكسّرة. يحاول الفنّان، كذلك، من خلال بعض التّقنيات الخاصّة به أن يرسم حركة أو سكونا، أن يعرض ديناميكيّة أو جمودا، و ذلك بفضل تحديده لوضعيّة كلّ شكل في علاقته مع بقيّة الأشكال الأخرى. يؤكّد الكاتب أنّ هذه التّقنيات التّي يعتمد عليها الرسّام " بالغة الأهمّية " من حيث أنّها تمثّل أدوات التّعبير و لغة الإفصاح، و لكنّها لا تعكس حقيقة العمل الفنّي. فليس كلّ من يحذق الرّسم، و ليس كلّ من تعلّمه في مدارس أكاديميّة مختصّة، برسّام و لا بفنّان. ملاحظة: تجدر الإشارة، في هذا السّياق، إلى أنّ كلمة فنّ تعني اشتقاقيّا، في لغتنا العربيّة، الصّناعة، بحيث يكون الفنّان هو الذّي يمتلك خبرة يدويّة و معرفة تقنية في الرّسم. غير أنّ بول كلي تجاوز هذه النّظرة التّقنية للفنّ. يقول الكاتب: " و في أرقى معانيه يستمرّ اللّغز الأخير للفنّ و يتجاوز معارفنا الأكثر تفصيلا، و في هذا المستوى تتبدّد أنوار العقل على نحو تعيس ". معنى ذلك أنّ تناول الفنّ كتقنية لا يسمح بالكشف عن ماهيّته و أساسه. - ليس مجرّد اهتمام بجملة من المضامين: يحيل الكاتب، في هذا النّص، إلى مقاربة التّحليل النّفسي للأثر الفنّي التّي ترى في هذا الأخير مجرّد تصوير لنشاط الغرائز و الرّغبات المكبوتة. و يبرز في مرحلة موالية الموقف الثّاني الذّي يعتبر الفنّ تعبيرا عن الحقيقة الإلهية، و هو الموقف الدّيني ( الكنسي ) من الفنّ. تتحوّل الموضوعات المرسومة، في هذا الإطار، إلى رموز تشير إلى دلالات دينيّة و إلهية. مثال: لوحة ليوناردو دا فنشي: " العذراء بين الصّخور " ( La Vierge aux rochers ). ينتهي الكاتب، في الأخير إلى تحديد هذا الموقف الثّالث الذّي ينظر إلى الفنّ على أنّه تحديد لمثل أخلاقيّة و رسم لما يجب أن يكون عليه الإنسان و العالم ( الفنّ رسالة اجتماعيّة ). إذا كان البعد الأداتي و التّقني قاصرا و عاجزا عن أن يكشف عن ماهيّة و عن معنى الأثر الفنّي، فانّ هاته المنابع الممكنة، التّي حدّدها الكاتب ( النّشاط النّفسي، الدّين، الأخلاق )، لا تعبّر هي أيضا عن الدّلالة الخفيّة للأثر الفنّي. فلا الجانب الشّكلي و لا الجانب المضموني كافيان لوحدهما حتّى يقدّما لنا فهما بالظّاهرة الفنّية. ففيم تتمثّل دلالتها إذن ؟ 2. 2. التّعريف بالإثبات: انّ الفنّ، حسب بول كلي، تجاوز للمعطى، للثّابت، للمنتهي. فالعلاقة التّي تجمع الرسّام بالمنظور و المرئي لا يمكن اختزالها في علاقة محاكي و ناسخ بنموذج معيّن. انّ الواقع، كما هو، ليس موضوعا للرّسم الفنّي. فقيمة الفنّ بالنّسبة إلى الكاتب، لا تكمن في كونه يقوم بتخليد جمال و روعة الطّبيعة الموجودة، بل تتمثّل قيمته في كونه لا يكتفي بهذا المنظور و بهذا المشاهَد. يقول الكاتب: " ثمّ إنّنا لا نرضى بأيّ واقع معطى حتّى و إن كان واقعا رفيعا ". بماذا يقوم الفنّ إذن إن لم يقدّم لنا صورة عن ما نراه و نشاهده ؟ و ما العلاقة التّي يمكن أن تقوم بينه و بين المرئي ؟ يقول الكاتب: " فالفنّ يخترق الأشياء و ينفذ إلى ما وراء الواقع و إلى ما وراء الخيال كذلك." انّ عين الفنّان لا تكتفي بالوقوف عند مظاهر الأشياء الحسّية فتكوّن صورة فوتوغرافيّة عن هذا العالم، بل هي تخترق هذا الجدار الأوّل و تحاول أن تكوّن نظرة أكثر عمقا و أكثر ثراء من الواقع ذاته، ليس من حيث هو متجمّد و ثابت و رتيب، بل من حيث هو متحرّك، حيّ و ديناميكي. انّ نقل الأشياء في حركتها، في مسيرتها و في تغيّرها، يقتضي من الفنّان خلقا، إنشاء و ابتكارا و تأليفا جديدا بين أشكال و ألوان و خطوط و مساحات، فتغدو اللّوحة على خلاف ما هو الواقع في إدراكنا الأوّلي و السّطحي له. يصبح الفنّ هنا، في إطار هذا الاتّجاه التّعبيري Expressionnisme ، ليس عكسا لواقع خارجي منظور و مرئي، بقدر مت هو تجسيم لحالات ذهنيّة و ذاتيّة و باطنيّة يعطيها الفنّان صورة و شكلا. و بذلك يكون الفنّ منفتحا على إبداعية الفنّان الذّاتيّة، و ليس رهين واقع موضوعي، ثابت و معطى. يقول أوسكار وايلد، في هذا السّياق، و هو أحد ممثّلي المدرسة التّعبيريّة: " يرى النّاس الآن الضّباب، ليس لأنّ هناك ضبابا، و انّما لأنّ هناك شعراء و رسّامين لفتوا انتباههم إلى الجمال الأخّاذ لحالاته. فالضّباب موجود منذ قرون عدّة في لندن. و لكن لا أحد رآه. فهو لم يوجد بالنّسبة إلينا، الاّ حينما قام الفنّ باختراعه." ( من كتابه انهيار الكذب ). تحوّل الفنّ بذلك إلى اقتراح لواقعة مرسومة و إلى مشاركة لرؤية، ذلك أنّ الفنّان يرسم ما لا يمكن أن نراه. مكاسب النّص: § § إقصاء النّظرة الأكاديميّة للفنّ ( حذق لبعض التّقنيات ).§ § استبعاد المقاربة المضمونيّة للفنّ ( التّحليل النّفسي، الدّين، علم الاجتماع ).§ § التّأكيد على أنّ الإبداع و الخلق هو ماهيّة الفنّ الحقيقيّة.
Mis à jour ( Samedi, 31 Mai 2008 18:25 )